محمد بن وليد الطرطوشي

238

سراج الملوك

وقال جابر بن عبد الله : [ بايعت النبي صلى اللّه عليه وسلم على السمع والطاعة ، فلقّنني : فيما استطعت ، والنصح لكل مسلم ] « 1 » . وروي أنس أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبّ لنفسه » « 2 » . وقال أبو الدرداء : العلم يبلغه البرّ والفاجر ، والحكمة ينطق بها البرّ والفاجر ، والنصيحة لله تعالى ، لا تثبت إلا في قلوب المنتخبين ، الذين صحّت عقولهم ، وصدقت نيّاتهم ، واعلم أن جرعة النصيحة مرّة لا يقبلها إلا أولو العزم . وكان عمر بن الخطاب ، رحمه الله يقول : رحم الله امرأ أهدى إليّ عيوبي . وقال ميمون بن مهران « 3 » : قال لي عمر بن عبد العزيز رحمه الله : قل لي في وجهي ما أكره ، فإنّ الرّجل لا ينصح أخاه ، حتى يقول له في وجهه ما يكره . وقال مالك : النصيحة لله في أرضه ، هي التي بعث بها أنبياءه . ومن أمر الإسلام القصد والنّصيحة لعباد الله في أمورهم ، والنفوس مستثقلة للنصح ، نافرة عن أهله ، ومائلة إلى ما وافق هواها . وفي منثور الحكم : ودّك من نصحك ، وقلاك من مشى في هواك ، وكان يقال : أخوك من احتمل ثقل نصيحتك . وقال بعضهم شعرا : عرضت نصيحة منّي لزيد * فقال غششتني والنّصح مرّ وما لي أن أكون نصحت زيدا * وزيد طاهر الأثواب برّ ولكن قد أتاني : أنّ زيدا * يقال عليه في مغناه شرّ « 4 » فقلت له تجنّب كلّ شيء * يقال عليك إنّ الحرّ حرّ وقال آخر : وعلى النّصوح نصيحتي * وعليّ عصيان النّصوح « 5 »

--> ( 1 ) هذا الحديث متفق على صحته ، رواه البخاري في البيوع ، وأخرجه مسلم في الإيمان ( باب بنيان أن الدين النصيحة ) عن طريق جرير بن عبد الله البجلي أبو عمرو ( وليس جابر ) . ( 2 ) هذا الحديث متفق على صحته رواه البخاري في الإيمان ومسلم في الإيمان والنسائي في الإيمان وزاد ( من الخير ) ( شرح السنة - الإمام البغوي ج 13 / ص 60 ) . ( 3 ) ميمون بن مهران الرقي : فيقة وقاضي كان مولى لامرأة من الكوفة وأعتقته ثم استوطن الرقّة واستعمله عمر بن عبد العزيز على خراجها وقضائها كان ثقة في الحديث كثير العبادة ، وفي مقدمة المجاهدين توفي سنة 108 ه . ( الأعلام 7 / 342 ) . ( 4 ) مغناه : المكان الذي يصبح به غنيا عن الناس . ( 5 ) النّصوح : الذي يبالغ في النصح .